أبي هلال العسكري
175
تصحيح الوجوه والنظائر
الحبل أصله من الإمساك ، ومنه قيل : الحابول للحبل الذي يصعد به في النخلة ، والحبالة شبكة الصائد ، والمحتبل الصائد ، وكذلك الحابل . وهو في القرآن على وجهين : الأول : القرآن ، قال اللّه تعالى : وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً « 1 » [ سورة آل عمران آية : 103 ] ، أي : بكتابه ، وسماه حبلا لما فيه من توكيد الحجج والبيان ، كما يؤكد العهد ، والحبل عند العرب العهد . الثاني : الأمان ، قال اللّه تعالى : إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ « 2 » [ سورة آل عمران آية : 112 ] ، أي : بأمان ، قال الأعشى : وإذا تجاوزها حبال قبيلة أخ * ذت من الأخرى إليك حبالها
--> ( 1 ) قال الشوكاني : قوله : وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً الحبل لفظ مشترك ، وأصله في اللغة السبب الذي يتوصل به إلى البغية ، وهو : إما تمثيل ، أو استعارة . أمرهم سبحانه بأن يجتمعوا على التمسك بدين الإسلام ، أو بالقرآن ، ونهاهم عن التفرق الناشئ عن الاختلاف في الدين ، ثم أمرهم بأن يذكروا نعمة اللّه عليهم ، وبين لهم من هذه النعمة ما يناسب المقام ، وهو أنهم كانوا أعداء مختلفين يقتل بعضهم بعضا ، وينهب بعضهم بعضا ، فأصبحوا بسبب هذه النعمة إخوانا وكانوا على شفا حفرة من النار بما كانوا عليه من الكفر ، فأنقذهم اللّه من هذه الحفرة بالإسلام . [ فتح القدير : 2 / 25 ] ( 2 ) قال الرازي : إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ [ آل عمران : 112 ] أي بعهد ، وإنما سمي العهد حبلا لأنه يزيل عنه الخوف من الذهاب إلى أي موضع شاء ، وكان كالحبل الذي من تمسك به زال عنه الخوف ، وقيل : إنه القرآن ، روي عن علي رضي اللّه عنه عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « أما إنها ستكون فتنة » قيل : فما المخرج منها ؟ قال : « كتاب اللّه فيه نبأ من قبلكم وخبر من بعدكم وحكم ما بينكم وهو حبل اللّه المتين » وروي عن ابن مسعود عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « هذا القرآن حبل اللّه » وروي عن أبي سعيد الخدريّ عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « إني تارك فيكم الثقلين ، كتاب اللّه تعالى حبل ممدود من السماء إلى الأرض ، وعترتي أهل بيتي » وقيل : إنه دين اللّه ، وقيل : هو طاعة اللّه ، وقيل : هو إخلاص التوبة ، وقيل : الجماعة ، لأنه تعالى ذكر عقيب ذلك قوله وَلا تَفَرَّقُوا وهذه الأقوال كلها متقاربة ، والتحقيق ما ذكرنا أنه لما كان النازل في البئر يعتصم بحبل تحرزا من السقوط فيها ، وكان كتاب اللّه وعهده ودينه وطاعته وموافقته لجماعة المؤمنين حرزا لصاحبه من السقوط في قعر جهنم جعل ذلك حبلا للّه ، وأمروا بالاعتصام به . [ مفاتيح الغيب : 4 / 326 ]